مقالات علمية

نهج العلامة العسكري في دراسته للسيرة النبوية الشريفة (بقلمه)

مقتبس من مقدمة كتاب عقائد الاسلام من القرآن الكريم الجزء الثالث

عدم العناية بغير احاديث الفقه و اثره قبل اكثر من نصف قرن ادركت ضرورة تدريس سيرة الرسول (ص) التربية الناشئة الاسلامية و قد قال الله سبحانه و تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة… » (الاحزاب: ۲۱) وكذلك ادركت أن في سيرة الرسل و اوصيائهم تجسيدا للاسلام لمن أراد أن يدرس الاسلام و وجدت في دروس الفقه الاستدلالي جل الاستناد إلى الأحاديث القولية دون روايات السيرة مع ان سنة الرسول (ص) عبارة عن سيرته و حديثه و تقريره و بالاضافة الى ذلك كنت ارى اننا نستطيع أن نجمع من روايات السيرة ما اتفق عليها المسلمون و نتخذ منها لواء لجمع كلمة المسلمين حولها و كنت ارى قصور كتب السيرة عن سد الفراغ في ما ذكرت، فاستعنت الله و عزمت لسد تلكم الحاجات على القيام بجمع احاديث السيرة من اوثق مصادرها عند جميع المسلمين، و لما بدأت بالعمل وجدت في روايات السيرة – مثلا – ان جبرائيل عندما كان يلقي على رسول الله (ص) سورة النجم و انتهى الى قوله تعالى: ” أفرأيتم اللات و العزي و مناة الثالثة الاخري ” القى الشيطان على الرسول (ص) جملتي: (تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى) وظن الرسول (ص) انهما من قول جبرائيل و تلاهما ضمن تلاوة السورة، فسر بذلك المشركون، وسجدوا لأصنامهم عند سماع ذكر اصنامهم من رسول الله (ص) الى آخر تلك الاسطورة المفتراة بها على رسول الله (ص) والتي انتشرت في كتب التفسير بمدرسة الخلفاء وهذه الفرية كما هو واضح تنافي عصمة الرسول (ص) في التبليغ. وكذلك وجدت في بعض كتب الحديث و السيرة الموسومة بالصحة روايات متعددة عن جمع من الصحابة بأن الرسول (ص) كان يسب و يلعن المؤمنين فأيما مؤمن سببته ولعنته اجعله له زكاة وطهورا. كما رواه مسلم في صحيحه. وروى في باب (انتم اعلم بامور دنياكم مني) أن رسول الله (ص) مر في المدينة بمن يلقحون النخل فقال: لو لم تفعلو لصلح، فتركوا تلقيح النخل فاصبح تمرهم شيصا فقال رسول الله (ص): انتم اعلم بامور دنياكم مني.

هذه الى جم غفير مثلها افتري بها على رسول الله (ص) و في بعضها افتري بها على الرسول (ص) و اصحابه وهي بمجموعها تنزل شخصية الرسول (ص) عن مستوى الأنسان العادي ، و قد قال الله تعالى في الثناء عليه: ” و انك لعلى خلق عظيم ” (القلم: ۴)

وما اسند في الروايات الى انبياء الله اعظم من ذلك مثل ما جاء في كتب التفسير ان نبي الله داود (ع) زنى بامرأة اوريا (معاذ الله).

وما جاء في شأن القرآن الكريم ادهى واعظم من كل ذلك مثل روايات السبعة احرف و ان الله سبحانه و تعالى انزل قرانه على سبعة أوجه،
وانه يصح تبديل اسماء الله تعالى في القرآن الكريم بما يشابهها بشرط أن لا يتغير معني آية الرحمة باية عذاب وكذلك العكس فيجوز للقارئ أن يقول بدل (رؤوف رحيم) اذا جاء في آية: ب (عزيز عليم) وأنه كان من القرآن الكريم ما كان ينزل ليلا وينسي الله نبيه و من سمعها من الصحابة تلك السورة صباحا، وانه من القرآن ما هو منسوخ الحكم دون التلاوة و منها ما هو منسوخ التلاوة و الحكم وان الرسول (ص) لم يجمع القرأن في عصره، ونسيت بعض أياته بعد الرسول (ص) الى روايات أخرى أمثالها.

وما افتري في بعض الروايات على الله تبارك و تعالى اعظم من كل ذلك و سجلت كل تلك الروايات ضمن روايات حديث الرسول (ص) و وسم جلها بالصحة.

و من هنا ادركت ان معالم الإسلام الذي جاء به الرسول (ص) قد تغيرت بسبب تلك الأحاديث ويجب القيام بتمحيص سنة الرسول (ص) حديثا و سيرة. غير اني ابركت وجود صعوبات جمة في عصرنا امام القيام بتمحيص سنة الرسول (ص)، كما فصلت القول عنها في مقدمة المجلد الأول من كتاب ” احاديث أم المؤمنين عائشة ” والذي طبع سنة ۱۳۸۰ هجرية، و استنتجت في آخرها أنه: (لايمكن من اقامة مجتمع اسلامي دون فهم القرآن و حديث النبي (ص) وسيرته، كما لايتأتى التأخي الصحيح بين المسلمين الا بالايمان بوجوب اعادة حياة اسلامية، والا فعلى م يجتمع المسلمون؟ وما الذي يوحد كلمتهم؟ كما لايتأتى التأخي أيضا الا بترويض المسلمين أنفسهم على سماع آراء بعضهم بعض الأخر و مناقشتها مناقشة من يطلب الحق ليتبعه، ليصدق عليهم قول الله سبحانه “…فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه…” (الزمر: ۱۷-۱۸)

و بناء على ما ذكرت استعنت الله تبارك و تعالى وقمت في سبيل تمحيص سنة الرسول (ص) اولا بسلسلة الدراسات الأتية:

  1. أحاديث أم المؤمنين عائشة – دراسة أدوار من حياتها – ج ۱ (مطبوع)
  2. أحاديث أم المؤمنين عائشة – دراسة أحاديثها ج۲ (مطبوع)
  3. عبدالله بن سبأ و أساطير أخرى، ج ۱ (مطبوع)
  4. عبدالله بن سبأ و أساطير أخرى، ج ۲ (مطبوع)
  5. عبدالله بن سبأ و الأسطور السباية، ج ۳ (مطبوع)
  6. خمسون و مائة صحابي مختلق صحابة من تميم، ج ۱ (مطبوع)
  7. خمسون و مائة صحابي مختلق – صحابة من قبائل شتى ج ۲ (مطبوع)
  8. خمسون و مائة صحابي مختلق – تتمة صحابة من قبائل شتى ج ۳ (مطبوع)
  9. رواة مختلقون (مخطوط)
  10. تراجم الصحابة – من رأى الرسول (ص) وروى عنه (مخطوط)
  11. تراجم الصحابة – من رأى الرسول (ص) ولم يرو عنه (مخطوط)
  12. تراجم الصحابة – من عد من الصحابة ولم ير الرسول (ص) ولم يرو عنه (مخطوط)

الى غيرها من الدراسات في هذه السلسلة

ثانيا – ادركت أثناء تلكم الدراسات ضرورة دراسة مصادر سنة الرسول (ص) و انه هل يصح حصر اخذ سنة الرسول (ص) بالصحابة وحدهم؛ و من جميعهم لأن جميعهم عدول؟ و – ايضا – هل يصح اخذ اجتهاد الصحابة – الخلفاء منهم – مصرا للتشريع في عداد الكتاب و السنة؟ أم نأخذ السنة من عدول الصحابة و من أئمة أهل البيت عليهم السلام ولا يصح اخذا اجتهاد الصحابة الخلفاء في عداد الكتاب و السنة مصدرة للتشريع.
ووجدت أن هذا الخلاف نشب بعد الرسول (ص) و منذ عصر الخليفتين الصحابيتين الاول و الثاني ولا يزال قائما حتى اليوم و ان الفريق الأول سمي بالسنة و الثاني بالشيعة وجرى بينهما خصومات شديدة ينبغي نسيانها و تبديلها ببحوث علمية موضوعية في كل ذلك، وقمت بهذه الدراسات في سلسلة باسم معالم المدرستين وصدر منها حتى اليوم ثلاثة مجلدات و قد سميت فيها المدرسة الأولى بمدرسة الخلفاء و الثانية بمدرسة أهل البيت عليهم السلام، لما كان في مصطلحي السنة والشيعة تذكير بحزازات تأريخية ينبغي نسيانها كما قلته آنفا.
ثالثا – في اثناء دراساتي حول سنة الرسول (ص) وجدت ان اهل البيت عليهم السلام بذلوا جهودا ضخمة لاعادة سنة الرسول (ص) الى المجتمع الاسلامي كما كانت على عهد رسول الله (ص) وينبغي لنا اليوم فيهما و معرفتها لما في المعرفة بها عظة و عبرة ولنا في عملهم ذلك قدوة، فقمت بدراستها وصدر منها حتى اليوم اربعة عشر جزءأ باسم ” قيام الأئمة باحياء السنة “.

و في ما انا منصرف الى انواع الدراسات حول سنة الرسول (ص) نشرت في شتى بلاد العالم كتب و مقالات و خطب و اشاعات بان لاتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام قرآن غير هذا القرآن المتداول و انهم يقولون بوقوع التحريف في هذ القران الى غير ذلكم من التقولات التي اضرت بالقرأن الكريم اكثر من أي جانب أخر فرأيت أن القيام بدراسة سنة الرسول (ص) حول القران الكريم أهم من كل تلكم الدراسات و لما تقدمت الى رحاب القرآن الكريم و الروايات التي رويت في المدرستين حوله تحت عنوان حديث الرسول (ص) وسنة الرسول (ص) وجدت في مصادر الدراسات القرآنية بمدرسة الخلفاء احاديث افتري بها على الله و كتابه و رسوله (ص) و اصحاب رسوله (ص) صدر قسم منها من قبل الزنادقة و قسم آخر منها من قبل من ارادوا أن ينشروا فضائل للخلفاء الصحابيين الثلاثة الأولين!

ووجدت في مصادر الدراسات القرآنية بمدرسة أهل البيت عليهم السلام كذلك احاديث افتري بها علي الله و كتابه و رسوله (ص) و الائمة من أهل بيته عليهم السلام صدر جلها من قبل الغلاة الذين ارادوا أن ينشروا فضائل لأئمة أهل البيت عليهم السلام!

وكذلك وجدت فيها روايات منتقلة من مدرسة الخلفاء الى مصادر الدرسات القرآنية بمدرسة أهل البيت عليهم السلام. و وجدت الى جانب كل ذلك أن في القرأن مصطلحات قرآنية تغيرت معانيها في عصرنا عما كان لها من مدلول في عصر الصحابة و أئمة أهل البيت و ادى بنا ذلك الى حمل ما جاء منها في أحاديث الصحابة و احاديث ائمة أهل البيت عليهم السلام على ما لها من معاني في عصرنا وانتج ذلك الى انعدام الرؤية الصحيحة والفهم الصحيح لما جاء من تلك المصطلحات في القرآن الكريم و احاديث الرسول (ص) و احاديث اصحابه و الائمة من أهل البيت عليهم السلام و ادي كل ذلك الى الشك و التشكيك في ثبوت النص القرآني بعد عصر الرسول (ص) ولذلك لم ار بدا من الانصراف عن كل تلكم الدراسات حول سنة الرسول و تركها ناقصة و القيام بدراسات قرآنية سجلتها في ثلاثة مجلدات باسم القرآن الكريم و روايات المدرستين.

و في اثناء دراساتي القرآنية وجدت بعض المصطلحات القرآنية هي – ايضأ – مصطلحات عقائدية ولا يتيسر فهم معانيها بوضوح خارج موردها من سلسلة عقائد الاسلام و بالاضافة الى ذلك وجدت في شتى بلاد العالم تطلع الى فهم الاسلام لذلك بدأت بعد الدراسات القرآنية بدراسة عقائد الاسلام من القرآن الكريم و درست في مجلديها الاول و الثاني ما نحتاج اليه في البحوث القرآنية، و في مجلدها الثالث هذا درست مايمت بالعقائد من سيرة الرسول (ص) بمكة المكرمة على ان ارس في الرابع منها ان شاء الله تعالى ما يمت بالعقائد من سيرته (ص) في المدينة المنورة مع دراسة الشريعة الخاتمة، كان ذلكم تسلسل الدراسات لدي في سنة الرسول (ص) و انما ذكرتها في هذا التقديم للاسباب الاتية:

اولا – لتقديم العذر في عدم نشر بعضها تباع بسبب اني رأيت ضرورة تقديم اللاحقة منها على السابقة.

ثانيا – ليتبين مما شرحته أن فهم جميع العلوم الاسلامية متوقف على دراسة ما يخصها من سنة الرسول (ص).

ثالثا – ايضا – ليتبين ما جرى على العلوم الاسلامية غيرالفقه بترك دراسة عامة سنة الرسول (ص) فانه لما لم يعن علماء المسلمين منذ القرن الرابع الهجري حتى اليوم بتمحيص روايات غير الفقه و انهم رضوان الله تعالى عليهم يروون في ما يؤلفون في علوم الاسلام من غير الفقه ممن لا يروون عنه في كتبهم الفقهيه كما يرى ذلك من الشيخ الصدوق (ت ۳۸۱ھ) في كتابه من لايحضره الفقيه بالقياس الى اكثر من مائتي مؤلف آخر له في غير الفقه، و في كتاب الجمل للشيخ المفيد (ت ۴۱۳) بالقياس الى كتابة المقنعة أضف اليه – آن وسائلهم العلمية في استنباط مسائل الفقه لا يستعملونها في تأليفهم الأخرى كما يرى ذلك في تفسير البيان للشيخ الطوسي (ت ۴۶۰) بالقياس الى كتابه الاستبصار و التهذيب، و قد استمر العمل على ذلك الى عصر البهبهاني (ت ۱۲۰۸ه) حيث انصرف من سموا من العلماء بالأصوليين الى مقابلة مدرسة الاخباريين ولولا قيامهم في مقابل الاخباريين لجرى على احكام الاسلام ما جرى على سائر العلوم الاسلاميه غير ان فطاحل العلم منذ هذا العصر لم يعنوا ببحث غير الفقه و مقدماتها من العلوم الاسلاميه و لم يؤلفوا فيها كما كان يفعل ذلك من سبقهم من العلماء كما يعلم ذلك من مؤلفات الشيخ الأنصاري (ت ۱۲۸۱ ه) و تلميذه السيد الشيرازي (ت ۱۳۱۲ ه) ثم الاخوند الخراساني (ت ۱۳۲۹ ه) و تلميذه السيد ابو الحسن الأصبهاني (ت ۱۳۶۵ه) ثم السيد البروجردي (ت ۱۳۸۰ ه) رضوان الله تعالى عليهم اجمعين و من الجدير بالذكر أن عدم غلق باب العلم في ما يخص الفقه بمدرسة اهل البيت عليهم السلام انتج صيانة الأحكام الاسلامية لديهم عن التغيير و التبديل كما برهنت على ذلك بمنه تعالى في بحث اعادة أئمة أهل البيت عليهم السلام سنة الرسول (ص) الى المجتمع من المجلد الثالث من معالم المدرستين، و كان ذلك بمدرسة اهل البيت عليهم السلام، اما مدرسة الخلفاء فقد اغلقوا على انفسهم منذ الف سنة باب العلم حين حصروا تقليد المجتهدين لديهم باربعة و حصروا الأحاديث الصحيحة بما جاء منها في صحيحي البخاري مسلم و المعتمدة عليها بما جاء فيهما و في السنن الاربعة. وكان في مصادر الدراسات الاسلامية لديهم من التشويش ما خصصنا لدراستها: سلسلة دراسات في سبيل تمحيص سنة الرسول (ص)، و انتقل كثير منها الى مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة اهل البيت عليهم السلام كما اشرت الى بعضها في الجزء السابع من قيام الائمة باحياء السنة و اشرت الى ما انتقل منها الى الدراسات القرانية لديهم في الجزء الثالث من القران الكريم و روايات المدرستين.

رابعا – أهم ما دفعني الى كتابة هذا التقديم بيان: أن بذل الجهد من قبل انسان واحد كما فعله مثلا سلفنا الراحل العلامة المحقق الثبت الشيخ محمد تقي التستري (ت ۱۴۱۵ه) تغمده الله برحمته في مؤلفاته لايسد هذا الخلل العظيم في دراساتنا الاسلامية و انما ينبغي أن تصبح هذه الدراسات ضمن الدراسات الرسمية في حوزتنا العلمية الى جنب دراساتها الفقهية.

و اخيرا اقدم اعترافي بالقصور عن القيام بما كان ينبغي في الدراسات الانفة الذكر و املي بالله الرحيم الغفور الودود أن يعفو عن زلاتي فيها و من كرام العلماء أن ينظروا اليها بعين الرضا، و عين الرضا عن كل عيب كليلة.

الوسوم

مهدی سلیمی

مسؤول روابط عمومی و رسانه مرکز مطالعات اسلامی علامه عسکری

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى