كتب العلامة العسكري

جمع القرآن و مصطلحات قرآنية لسماحة العلامة العسكري

تم الطبع كتاب جمع القرآن و مصطلحات قرآنية من تأليفات العلامة السيد مرتضى العسكري في مركز العلامة العسكري للدراسات الإسلامية. يمكنكم مشاهدة قسم من الكتاب في الرابط في ما يلي:

اضغط الزر لمشاهدة قسم من الكتاب:

 

نص مقدمة الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

” إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يهَدِى لِلَّتىِ هِىَ أَقْوَم‏ ” صدق الله العلي العظيم

نحمدك اللهم بالحمد الذي ارتضيته من خلقك و أوجبت قبوله على نفسك. و الحمد لله المبتدئ بالفضل و الإنعام على جميع البشر و الأنام، وله الحمد خالق الخلق  باسط الرزق مجري الفلك مسخر الرياح فالق الإصباح الفرد الصمد، الواحد الأحد الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة و لانوم ذوالجلال و الإكرام، و التفضل و الإنعام و المواهب العظام ذوالعزة و الجبروت، الكبير المتعال، الشديد العقاب، الرحيم الغفور و الحليم الودود، العلام العليم، الرحمن الرحيم. و الحمد لله الربّ المنان الذي خلق الانسان، و علمه البيان و المنعم عليه بالإيمان و بعث الرسل ليهديه إلى الجنان.

و الصلاة و السلام على فخر الأنام، سيد الأنبياء و خاتم المرسلين حبيب إله العالمين الرسول المسدد، و العبد المؤيد، الماجد الأمجد، المحمود الأحمد، الذي سمي في السموات بأحمد و في الأرضين بأبي القاسم محمد، عليه آلاف التحية و الثناء،  وعلى آله و أزواجه المؤمنات الطيبات و أصحابه الميامين، السابقين منهم إلى الاسلام بالإيمان، صلاة كثيرة دائمة، مادامت السموات و الأرض، و ما اختلف الملوان و تعاقب الجديدان، وإلى قيام يوم الدين.

و بعد فإنّ (أحسن الحديث) كلام الله، و هو المتكلم بالقرآن، و الذي أنزل الفرقان في كتابه المبين، الذي فرق فيه بين الشك و اليقين (ذَالِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ  فِيهِ  هُدًى لِّلْمُتَّقِين‏) و هو الفرقان الفارق بين الحق و الباطل، و الفرقان الذي يفرق بين المسلم و الكافر، و يميز بين المؤمن و المنافق منذ زمان نزوله إلى يوم القيامة، و هذا هو أحد وجوه إعجاز القرآن، و من وجوه إعجازه امتيازه بأعلى درجات البلاغة و الفصاحة، و التي أعجزت فصاحته الفصحاء من معارضته، و بلاغته أخرست البلغاء من مشاكلته. و من وجوه إعجازه أيضاً أننا عند ما نقرأ هذا الكتاب نجد أنه يحكي لنا أخبار الأمم الماضية و القرون الخالية، و يحدثنا عن مساكنهم الخاوية التي عمرتها الذئاب العاوية.

ونجد في هذا الكتاب أيضاً ما يحتاجه الانسان في دنياه و آخرته: (وَ لَقَدْ صرَّفْنَا فىِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ  وَ كاَنَ الْانسَانُ أَكْثرَشىْءٍ جَدَلا). وقد قال فيه من نزل عليه: إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، فيه نبأ من قبلكم، و خبر ما بعدكم، و حكم ما بينكم، و هو حبل الله المتين و نوره المبين و الذكر الحكيم و الصراط المستقيم، وهو الشفاء النافع، عصمة من تمسك به، و نجاة لمن اتبعه، لايعوجّ فيقوّم، ولايزيغ فيستعتب، لا تنقضي عجائبه، ولايخلَقُ عن كثرة الردّ [۱]. و هو –  القرآن – وصية إمامنا، إمام المتقين ، يعسوب الدين، مولى الموحدين، أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام، إذ قال: الله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم [۲] فهو إذن منهاج حياتنا، و مصدر معرفتنا، و مبلغ علمنا، و ربيع قلوبنا، و شفيع ذنوبنا.

وقد أنزل الله جل و علا هذا القرآن على نبيه ( بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَينَّ لهَم‏) ما جاء فيه مجملأ، و شرح لهم ما جاء فيه مبهماً، و بفصل أحكامه و عقائده، و بذلك يكون الرسول (ص) بعث إلى قومه خاصة، ولكن الله بعثه أيضاً (كَافَّةً للنَّاسِ بَشِيرًا وَ نَذِيرًا).

وهذا ما أوحى به ربّ العباد إلى خاتم أنبيائه ورسله (وَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَينِّ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهْم‏) ولم يقل لتبين لقومك خاصة، فيجب على الناس كافة أن يتعلموا لسانه ليفهموا و يتعلموا ماجاء في القرآن الذي أوحاه الله إليه.

وقد بلغ الرسول (ص) ببيانه ما أوحاه الله إليه من بيان القرآن ( إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه‏) فالقرآن و بيانه كلاهما وحي من الله إلى نبيه: وقد قال سبحانه و تعالى في تأييد بيان رسوله (وَ مَا يَنطِقُ عَنِ الهْوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى‏)، وقد وعى و فهم الناس الذين عاصروا الرسول (ص) و سمعوا منه القرآن، و سمعوا منه أيضاً بيانه، فآمنوا بالرسول (ص) و اتبعوا ما جاء في القرآن و عملوا بما جاء فيه من أحكام.

ولكن بعد رحيل الرسول الأكرام (ص) منعت السلطة الحاكمة من رواية حديث الرسول (ص) المبين و المفسر للنصّ القرآني، و أوصدوا على الناس باب التحديث عن الرسول (ص)، فاجتهد بعض الصحابة و جمهور من التابعين في بيان و تفسير ماجاء مجملاً و مبهماً و عاماً و مطلقاً في القرآن الكريم، ورووا  روايات في تفسير القرآن و نسبوها إلى الرسول (ص) و وضعوا أحاديث في تفسير القرآن، وقد صرح ابن الجوزي من اعلام القرن السادس في هذا الصدد و تكلم في مقدمة كتابه عن اسباب و دواعي وضع الحديث:

وَكَانَ من أفعل الكيد، وأخبث الدعاية، أَن يصنع حَدِيث على نمط مقارب لآخر صَحِيح، فِي لَفظه وجرسه، وشكله وسمته. وينسب إِلَى الرَّسُول الْكَرِيم عَلَيْهِ السَّلَام تمييزاً لشخص على آخر، أَو إنباء بحادث لَهُ دلَالَة لم يكن وَقع آنذاك، ثمت وَقع مُؤَخرا أَو نصْرَة لرأي أَو مَذْهَب اخْتصم فِيهِ الأخصام، أَو إشادة بمنقبة، أَو افتعال لمثلبة.

وهاجت حمى وضع الْأَحَادِيث ونسبتها إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا تَلا ذَلِك من أَيَّام، وَجَاءَت تترى من كل صوب، تزاحم الصَّحِيح لتزيله وتستقر فِي الأذهان مَكَانَهُ. وَكان من وَرَائِهَا الْغَرَض الْخَبيث، والكيد للاسلام، وإحلال القثور فِي مَوَاضِع اللّبَاب، والتفاهات فِي ثوب الْمُهِمَّات، والشرك فِي مَوَاضِع التَّوْحِيد، والخرافات والترهات بَدَلا من الْحَقَائِق والبديهيات.

و تطور فن وضع الحَدِيث مَعَ الزَّمن وتدهور من أغراض الْحَرْب والسياسة تبعا لخور النُّفُوس وانحطاط الْأَغْرَاض إِلَى أغراض أخر دون مَا تحرج وَلَا تأثم، وانحطت  الْأَغْرَاض فِي الوَضع وَالكذب، عَلى رَسُول الله، أَكثر فَأكْثر حَتَّى وصلت إِلَى حدّ الخبل والبلاهة وَمَا يشبه كَلَام الصّبيان. و وصلت إِلَى حدّ أَنه لَا يستعظم على كَذَّاب أَن يضع حَدِيثا وَيُقِيم لَهُ سنداً  يصل بِهِ إِلَى الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام [۳].

و قد اعترف زنديق ممن كانوا يضعون الأحاديث قبل قتله، و قال: أما و الله لئن قتلتموني، لقد وضعت أربعة الآف حديث، أحرم فيه الحلال و أحل فيها الحرام… [۴]. كان هذا الزنديق معاصراً لعهد المنصور الخليفة العباسي. وقد سبقه خليفة المسلمين و خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان و أمر أن يضع الأحاديث، كما نرى في الخبرالتالي:

و عن أبي جعفر الاسكافي – شيخ أبي الحديد – قال: إنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أنّ هذه الآية نزلت في عليّ (ع): (وَ مِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فىِ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلىَ‏ مَا فىِ قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَ إِذَا تَوَلىَ‏ سَعَى‏ فىِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ  وَ اللَّهُ لَا يحُبُّ الْفَسَاد) [۵] و أن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم و هي قوله تعالى (وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله‏) [۶] فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل [۷]

و كان من آثار منع رواية الحديث وكتمان سنة الرسول الكريم، و من آثار ذلك الوضع و التحريف و التغييرأن رويت أحاديث و روايات كثيرة و مختلفة و متناقضة في مسائل الدين و الدنيا و الآخرة. والتي كانت سبباً في عدم فهم النصّ القرآني، و التي أدت إلى ظهور رؤية غير صحيحة في مسائل العقائد و الأحكام و التي بسببها اختلفت الأمة الاسلامية و تفرقت إلى مذاهب و طوائف شتى، و تجاوزت سبعين فرقة، وهذا ما أخبرنا به الرسول الأمين (ص) في حديثه: ” افترقت اليهود على احدى و سبعين فرقة، و احدة في الجنة و سبعون في النار، و افترقت النصارى على اثنتين و سبعين فرقة،… و الذي نفس محمد بيده لتفترقنّ أمتي على ثلاث و سبعين فرقة واحده في الجنة و ثنتان و سبعون في النار ” [۸].

و قد انبرى لدراسة أحاديث الرسول الاكرم (ص) ثلة من علماء الفريقين من علماء السلف و علماء السلف، فبحثوا و حققوا وصنفوا و ألفوا  كتباً في هذا الباب، جزاهم الله خيراً.

و من العلماء المعاصرين كان العلامة العسكري ممن تصدى للبحث و التحقيق في سنة جده الرسول الاكرم (ص) وسعى جاهداً في رد الشبهات و الأكاذيب التي روجها و نشرها الزنادقة في تحريف التاريخ الاسلامي الأول، و التي كانت سبباً في كتمان سنة و سيرة الرسول (ص). فألف في رد ما وضعه الزنديق سيف بن عمر كتاب: خمسون و مائة صحابي مختلق. و لرد الشبهات و الروايات المختلقة التي رويت في تحريف كتاب الله العزيز ألف: كتاب “القرآن الكريم و رويات المدرستين “و درس و حقق الروايات المختلقة في هذا الكتاب. و من المواضيع التي بحثها في كتابه ” القرآن الكريم ” بحث موضوع (جمع القرآن) و بما أن الشبهات حول جمع القرآن هي من المواضع المهمة في إثبات حجية القرآن فكان لزاما علينا أن نخصص للبحث عنه تصنيفاً خاصا به.

و قد أوصى العلامة العسكري (ره) مراراً و تكراراً شفاهاً و تحريراً، أن ثلاثة من أبنائه الذكور السيد نورالدين و السيد ضياء الدين و السيد كاظم هم المسؤولون عن صحة ترجمة و نشر آثاره المطبوعة، و هم و ليس غيرهم من لهم حق تحقيق و تهذيب و طبع و نشر آثاره الخطية و التي لم ترى النور ألى يومنا هذا.

فرأينا – لما لبحث جمع القرآن من الأهمية – أن نجمع من آثار العلامة العسكري (ره) في هذا الصدد، لينشر بحلة قشيبة تكون ردءاً لرد الروايات المكذوبة و تبياناً للشبهات حول موضوع (جمع القرآن)، ولقد قدمنا بحث دراسة مصطلحات اسلامية قرآنية و بحث الزيادة و النقصان على بحث جمع القرآن لما يعتمد بحث جمع القرآن على فهم تلك المصطلاحات القرآنية و على بحث الزيادة و النقصان.

وقد شكلنا لجنة برئاسة حجة الاسلام و المسلمين الشيخ علي سليمي نجل آية الله الشيخ لطف الله سليمي (ره) و الذي كان من تلامذة الشهيد السيد محمد باقر الصدر (ره) و من اصحابه الملازمين له في حله و ترحاله، تغمدهم الله برحمته الواسعة، لتكون اللجنة و رئيسها – لنا عوناً و عضداً في هذا المقام فجزاه الله و من معه من أعضاء اللجنة المحترمة خير جزاء المحسنين.

و نسأل الله العلي القدير أن يتقبل منا و من اللجنة المحترمة هذا الجهاد المتواضع. آملين رحمة رب العالمين، و نرجو أن يرزقنا الجهاد بين إمام زماننا روحي و ارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء، آمين يارب العالمين، إنه سميع عليم.

سيد كاظم العسكري

مؤسس مركز العلامة العسكري للدراسات الإسلامية

منابع

[۱] التفسىر من سنن سعىد بن منصور، فضائل القرآن، حدىث ۷ . و مسند ابن أبي شىبة، ما رواه عبدالله بن مسعود عن النبيّ صلى الله علىه، حدىث ۳۷۶ . و سنن الدارمي، باب فضل من قرأالقرآن، حدىث ۳۳۵۸ . و شعب الإىمان للبىهقي، فصل في تعلم القرآن، حدىث ۱۷۸۶، وفصل في إدمان تلاوة القرآن، حدىث ۱۸۳۲ .

[۲] من لاىحضره الفقىه للشىخ الصدوق، باب رسم الوصىة ووجوبها، حدىث . وتهذىب الأحكام للشىخ الطوسي، باب الوصىة و وجوبها، حدىث ۷۱۴ . و الدر النظىم في مناقب الأئمة اللهامىم لىوسف بن حاتم الشامي، وصىة أخرى . وشرح نهج البلاغة لإبن الحدىد خبر مقتل الامام علي كرم الله وجهه، ۶/۱۲۰ .

[۳] الموضوعات لابن الجوزي ۱/ ۵

[۴] راجع ذكر حوادث سنة خمس و خمسىن و مائة من تارىخ الطبري، و البداىة و النهاىة لابن كثىر و الكامل من التارىخ لإبن الأثىر .

[۵] الآتىان ۲۰۴ و ۲۰۵ من سورة البقرة

[۶] الآىة ۲۰۷ من سورة البقرة

[۷] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحدىد، ن م السابق ۱/۳۵۸ –  ۳۶۱ .

[۸] سنن أبي داود، كتاب السنة، باب شرح السنة، حدىث ۶ و ۴۵ . و سنن إبن ماجة، كتاب الفتن، باب اختراق الامم، حدىث ۲ و ۳۹ . و المستدرك على الصحىحىن للحاكم النىسابوري، كتاب العلم، حدىث ۴۰۴ .

الوسوم

مهدی سلیمی

مسؤول روابط عمومی و رسانه مرکز مطالعات اسلامی علامه عسکری

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى