كلمة الدكتور العسكري في مؤتمر يوبيل الذهبي لتأسيس جمعية الصندوق الخيري الإسلامي

الدكتور السيد كاظم العسكري

و به نستعين إنه خير ناصر وخير معين، والحمد لله بارئ الخلائق أجمعين الذي «خلق فسوى والذي قدر فهدى» و الحمد لله الذي «خلق الإنسان» ثم «علمه البيان» «والحمد لله» الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم».

وبعد، منذ خمسين سنة أو أكثر كانت فكرة تأسيس مرکز علمي ثقافي لتدريس العلوم الإسلامية و خصوصا علوم القرآن والحديث و التفسير و السيرة و التاريخ و التبليغ تدور في ذهن العلامة العسكري وشغلت فكره وباله، وأخذت الكثير من أوقات تفكيره من أجل إصلاح المجتمع الإسلامي بما فيه من مدارس رسمية وغير رسمية، حوزوية أو غير حوزوية. فنراه يقول في هذا الصدد :

« منذ بداية حياتي وأنا أحمل هم الإسلام وهدفي نشر أفكار مدرسة أهل البيت (ع)، كتب على جبيني «وقف لخدمة أهل البيت (ع)». فبدأت أدرس ما يدور في المجتمع وما حل به. بعد الحرب العالمية الثانية – من تيارات فكرية، شيوعية ورأسمالية وقومية. وعندما شرع بدراسة مناهج المدارس الحكومية وجدت أن تلك المدارس لاتخرج إلا موظفين وعاملين في دوائر الدولة. فسميتها آنذاك (بمعامل تحضير الموظفين).

فقمنا – أنا وثلة من العاملين و بإشراف المرحوم الدكتور أحمد أمين – بتأسيس مدرسة باسم (منتدى النشر) والتي كان من بين طلابها الشهيد السيد محمد باقر الصدر (ره) ومنذ دخوله المدرسة توسم فيه النبوغ والذكاء. فقد طوى مراحل الدراسة الابتدائية في سنتين. وبعد فترة من نشاطها أغلقت المدرسة لأسباب لا مجال لذكرها هنا.

وبعد أن تعين وكيلا عن مرجعية آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قد سره) وجدت أن بعض أبناء العوائل والبيوتات الشيعية يدرسون في المدارس المسيحية فسعيت إلى تأسيس مؤسسات تعليمية تربوية تكون بديلا عنها، وبما أن تأسيس تلك المؤسسات والمشاريع يجب أن تكون من قبل مؤسسة مجازة من قبل الحكومة، تقدمت بطلب لتأسيس جمعية لذلك، فرفضت الحكومة طلبنا آنذاك وقالوا: (نعطي لليهود اجازة ولا نعطي لهؤلاء).

و كان العلامة المصلح السيد هبة الدين الشهرستاني قد أسس مؤسسة خيرية باسم (جمعية الصندوق الخيري الإسلامي) عام ۱۹۴۱ م مع جماعة من الخيرين (الحاج عبدالهادي الچلبي والحاج عبد الغني الدهوي و …..) والتي اقتصر نشاطها على رعاية عوائل الفقراء والأيتام. وبعد أن توقف نشاطها، لفترة ما، بادرنا لإحيائها والاستفادة من عنوانها باعتبارها جمعية مجازة من قبل الحكومة آنذاك».[۱]

وبعد أن استلم العلامة العسكري (جمعية الصندوق الخيري الإسلامي) من المصلح العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني قام بإعادة هيكلية الجمعية وعدل مواد في نظامها الأساسي. بما ينسجم مع المهمة التي يريد النهوض بها وبناء على ذلك أجريت انتخابات جديدة وانتخب العلامة العسكري رئيسا للجمعية بعد انتخاب أعضاء الهيئة الإدارية الجديدة.

وكان من بين أعضاء الجمعية التي ترأسها العلامة العسكري شخصيات سياسية ودينية مرموقة كالشهيد السيد مهدي الحكيم نجل المرجع آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (ره) والشهيد الشيخ عارف البصري والشهيد عبد الصاحب دخيل وكذلك كان من أعضائها ثلة من الخيرين کالحاج رضا علوان والحاج سعيد عباس الشيخ والحاج عبد الباري آل مباركة والحاج هادي جبارة والحاج حسن السعدي والحاج عباس الحداد وآخرين.

وبعد هذا السير الطويل والعناء الكثير الذي لاقاه في هذا المسير بدأ العلامة العسكري والثلة الخيرة أعضاء الجمعية بالعمل الدؤوب ليلا ونهارا ولم يكن يعرف الكلل و الملل و التعب، فكانت مدارس الزهراء (س) للبنات في مدينة الكاظمية والتي أشرفت عليها العلوية بنت الهدى شقيقة الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (رحمهما الله واسكنهما فسيح جناته وكانت مدرسة الامام الباقر (ع) للبنين، ومركز تعليم البنات (محو الامية) ويعلم فيها مبادئ القراءة والكتابة والاحكام الشرعية في بغداد الجديدة التي أشرف عليها المرحوم السيد عبد الرحيم الشوكي وكذلك مركز لتعليم البنات، ومدارس الامام الجواد (ع) الابتدائية والمتوسطة والثانوية للبنين في الكرادة الشرقية – في العاصمة بغداد، ومدارس الامام الصادق (ع) الابتدائية والثانوية ومركز تعليم البنات (لمحو الامية في البصرة التي اشرف عليها السيد محمد عبد الحكيم الصافي . ومدارس الامام الباقر (ع) في مدينة الحلة بإشراف الشهيد الشيخ محمد حيدر ومدرسة الامام الحسن (ع) في الديوانية بإشراف العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين ، مدرسة أهل البيت (ع) لتعليم البنات في مدينة النعمانية باشراف العلامة الشهيد السيد قاسم شبر . وقد أسس مستوصف الرعاية الاسلامية في الكرادة الشرقية وفي مدينة الكاظمية.

وأصدر مجلة تعنى بشؤون الجمعية ومشاريعها باسم (مجلة المجتمع الإسلامي).

وتوج أعماله بتأسيس كلية أصول الدين في بغداد سنة ۱۹۶۴ م. وفتحت الكلية أبوابها للراغبين في قسم اللغة العربية وعلوم القرآن لمرحلة البكالوريوس والتي أصدرت مجلة رسالة الإسلام التي كان لها الأثر الكبير في التعريف بالإسلام وخط اهل البيت (ع) وكتب فيها كبار العلماء والباحثين الشهيد محمد باقر الصدر والسيد محمد بحر العلوم والشهيد السيد محمد باقر الحكيم والشيخ محمد مهدي الاصفي و آخرين.

وفي سبيل معادلة شهادة كلية أصول الدين لتكون شهادتها معترف بها من قبل الجهات الرسمية لسائر الكليات في العراق والعالم العربي والاسلامي فقد قام العلامة العسكري بجهود مضنية وسفرات متوالية الى بعض الدول العربية، وبعد التداول الرسمي و التبادل الثقافي مع الجامعات الرسمية كجامعة القاهرة وغيرها، استطاع المؤسس أن يحصل على تأييد جامعة القاهرة لشهادة الكلية. وبناء على ذلك تابعت جامعة بغداد مصادقة شهادة الكلية و الاعتراف بشهادتها رسمية.

***

وقد خرجت كلية أصول الدين في دورتها الأولى والثانية والثالثة والرابعة طلاب كانوا متفوقين على أمثالهم من خريجي الجامعات العراقية والجامعات العربية والاسلامية وقد استشهد اكثرهم على يد ازلام حكومة البعث الحاكم في البلاد آنذاك نتيجة لإنتماءهم لحزب الدعوة الاسلامية كالشهيد سيد کريم لازم الموسوي والشهيد عبد الامير البدري وفائق رزيج وآخرين غيرهم

وكان من خريجي كلية أصول الدين في السنوات الأخيرة ممن تسلموا مناصب في الجامعات و في ميادين أخرى کالدكتور عبد الأمير الأعسم والدكتور محمد علي حسين آذرشب الذي كان ملحقة ثقافية للجمهورية الاسلامية في السودان وسوريا، ومن خريجيها أيضا دولة رئيس وزراء حكومة العراق الاستاذ نوري المالكي والدكتور عبد الجليل التميمي رئيس جامعة ميسان والدكتور محمد عليوي الشمري رئيس كلية الآداب في الجامعة المستنصرية وغيرهم.

***

و بعد أن استفحل نظام البعث الكافر بقيادة المقبور صدام حسين في أواخر الستينيات اضطر العلامة العسكري الى الهجرة من العراق وتوجه الى بيروت واستقر فيها واستمر في مبارزته لحكومة البعث فلاحقته أيادي الأمن والاستخبارات مما اضطر الى ترك لبنان والهجرة الى ايران.

***

 وبعد سقوط نظام البعث في بغداد عاد الأسد الى عرينه، عاد العلامة العسكري الى بغداد و أناخ برحله في محل عمله السابق كلية أصول الدين في الكرادة الشرقية لاعتقاده بأن ساحة العمل في المجال الثقافي والديني في العراق له أهمية كبرى، لما نعيشه اليوم من صراعات مذهبية وطائفية أشعلت نار الفتنة بين أبناء البلد الواحد حصدت الأخضر مع اليابس والتهم لهيبها الابرياء من الاطفال والنساء والشيوخ. ولما يأمل العلامة العسكري من اعادة فتح كلية أصول الدين أن تلعب دورا فعالا في نشر الوعي الديني والثقافي بين كافة أبناء الشعب العراقي ان شاء الله .

فجمع من بقي حيا من أعضاء الجمعية و اضاف من يتوسم بهم الخير والهمة في مواصلة الطريق وشكل هيئة ادارية جديدة.

وقد تحركت الهيئة الإدارية لتسجيل الجمعية في المؤسسات الغير حكومية و لاستعادة مؤسسات وممتلكات الجمعية فاستعادت – بحمد الله – لحد الآن ، بناية كلية اصول الدين . و بعد أخذ الموافقة من وزارة التربية لإعادة فتح ثانوية الإمام الجواد (ع) ، أعلنا عن فتح ثانوية الامام الجواد (ع) وأخيرا تم الحصول على اجازة اعادة فتح كلية أصول الدين الجامعة بموجب كتاب وزارة التعليم العالي البحث العلمي المرقم ج ه / ۳۳۵۶ بتاريخ ۷ / ۲۰ / ۲۰۱۱ ويحدونا الأمل بمواصلة الطريق الذي بدأه العلامة العسكري والخيرين من اخوانه وابنائه .

الدكتور سيد كاظم العسكري

رئيس الجمعية

————————————————-

[۱]– مقطع من كلمة سماحة السيد العسكري ألقيت نيابة عنه في مؤتمر اليوبيل الذهبي بمناسبة مرور خمسين عاما على تأسيس جمعية الصندوق الخيري الإسلامي أقيم يوم ۲۰۰۶/۱۱/۴ في مدينة الكاظمية في مسجد الهاشمي الذي كان العالم الجليل السيد اسماعيل الصدر شقيق الشهيد السيد محمد باقر الصدر إماما للصلاة فيه.

مقالات مشابه

شفاعة

اذا سمحوا لي

الراوي: الشيخ علي سليمي (ابن اخت العلامة العسكري)   في بعض الاحيان عندما كان يذهب العلامة الى الحمام و كان أبناؤه يستأذنوه لكي يساعدوه في

ادامه مطلب »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *