مقالات علمية

الإمام الصادق، محيي السنة النبوية

خطاب القاها العلامة السيد مرتضى العسكري

إنِّ الله تبارك و تعالى ارسل رسوله محمّداً صلى عليه و آله و سلم بالهدى و دين الحق و قال سبحانه و تعالى:

«هُوَ الَّذِى بَعَثَ فىِ الْأُمِّيِّنَ رَسُولًا مِّنهْمْ يَتْلُواْ عَلَيهْمْ ءَايَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الحْكْمَةَ وَ إِن كاَنُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبِين (الجمعة: ۲)»

و قال تعالى: «وَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَينِ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهْم (النحل: ۴۴)»

فصدع صلوات الله عليه و آله و سلم برسالة، و بلّغ من حضره آيات القرآن و سوره متدرِّجا حتى أتقنوها وجمعوها وحَفِظوها، و كذلك بيَّن للناس عامة من علوم القرآن ما أوحِيَ اليه لهدايتهم، وخصَّ منهم ابن عمه علياً فأملى عليه ما أوحيَ اليه منها، فوعاها، و أمره فكتبها. و في هذا الصدد نجد في روايات مدرسة الخلفاء ما رواه النسائي و ابن ماجة في سننهما، و احمد في مسنده و اللفظ للاول، عن الامام علي (ع) انه قال:

«كانت لي منزلة من رسول الله (ص) لم تكن لأحد من الخلائق، فكنت آتيه كل سحر فأقول: السلام عليك يا نبيَّ الله. فإن تنحنح انصرفت الى أهلي و إلا و دخلت عليه.»

وفي رواية «إن وجدته يصلي تنحنح وإن وجدته فارغاً أذن لي» [۱]

وفي الطبقات لابن سعد بسنده قال:

«قيل لعلي: مالك اكثر اصحاب رسول الله (ص) حديثا؟ فقال: إني كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكتُّ أبتدأني.»

وفي رواية قال: «والله ما نزلت آية ألا وقد علمت في ما نزلت، و أين نزلت، و على من نزلت. أنّ ربي وهب لي قلباً عقولاً، ولساناً طلقاً.»

وفي ثالثة قال: قال علي: «سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل نزلت أم في جبل.» [۲]

كان ذلكم بعض ما ورد في هذا الباب في مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة الخلفاء، و ورد في مدرسة أهل البيت (ع) ما يأتي – و أهل البيت أدرىٰ بما فيه– :

في بصائر الدرجات و أمالي الشيخ الطوسي – واللفظ بإيجاز – عن الامام الباقر عن أبائه (ع) أن رسول الله (ص) قال لعلي (ع): «اُكتب ما اُملي عليك. قال: يا نبي الله! أتخاف عليَّ النسيان؟ قال (ص): لست أخاف عليك النسيان، وقد دعوت الله أن يُحفظك ولا ينسيك، ولكن اُكتب لشركائك. قال: قلت: و من شركائي يا نبي الله؟ قال: الأئمة من ولدك… و أومى الى الحسن و قال: هذا أولهم، و أومى الى الحسين وقال: الأئمة من ولده [۳]

وفي رواية قال الامام علي (ع):

«كنت اذا سألت رسول الله (ص) أجابني، و إن فنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت عليه آية في ليل و لا نهار، و لا سماء و لا أرض، و لا دنياً و لا آخرة، و لا جنة و لا نار، ولا سهل و لا جبل، و لا ضياء ولا ظلمة؛ إلا أقرأنيها و أملاها عليَّ و كتبتُها بيدي، و علَمني تأويلها و تفسيرها، و محكمها و متشابهها، و خاصَّها و عامَّها، و كيف نزلت، و أين نزلت، و في من نزلت، إلى يوم القيامة، و دعا الله لي أن يعطيني فهماً و حفظاً، فما نسيت آيةً من كتاب الله الى أملاهُ عليًّ.» [۴]

وفي رواية ما موجزه:

«كان إذا غاب الامام يحفظ عدد الأيام التي غاب فيها، فإذا التقينا قال رسول الله (ص): يا علي! نزل عليَّ في يوم كذا؛ كذا و كذا، و في يوم كذا؛ كذا، حتى يعدَّها عليه الى آخر اليوم الذي وافى فيه.» [۵]

كذلك أتمّ الرسول (ص) تبليغ جميع القرآن لجميع من حضره كما أنزله الله، و بَيَّن لمن حضر ما يحتاجونه من تفسير الآيات في العقائد و الاحكام و سائر علوم الاسلام. و من بيانه أحاديثه بالاضافة إلى سيرته التي كان يجسِّد فيها الاسلام؛ منها جميعاً تكوّنت سنَّه.

و الاسلام كله في الكتاب و السنة، و ليس فيما عداهما من كتب بني آدم شيء من الاسلام. و قد ضمن الله تبارك و تعالى حفظ القرآن و قال: «إِنَّا نحَنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لحَافِظُون (الحجر: ۹)»

و بقى القرآن جميعه محفوظاً كما نزل، و في متناول أيدي الناس جميعاً إلى أبد الدهر. و لكنّنا لا نستطيع أن نعمل بأحكام الاسلام دون الروجوع إلى بيان الرسول (ص). لا نستطيع أن نؤدِّيَ ركعة واحدة من الصلاة دون الرجوع الى سنة الرسول (ص). فما ذا كان من أمر سنة الرسول (ص)؟

إذا تدبرنا ما سبق من روايات كتابة الامام علي (ع) ما أملاه عليه رسول الله (ص) علمنا أن الرسول (ص) كان قد أملى عليه مع القرآن سنتَه. ضمن تفسيره آيات القرآن له. إذاً فقد كانت سنة الرسول مكتوبة عند الامام علي (ع) كاملة، و طبيعي أن يتناولها بعد الامام علي (ع) بنوه، ولكن الامام علياً و بنيه (ع) لم يكونوا وحدهم بحاجة الى سنة الرسول(ص) دون سائر المسلمين، بل إن سنة الرسول (ص) كانت للمسلمين عامة بما فيهم الائمة من أهل بيت الرسول (ص).

من هنا نعرف الحكمة في قول الرسول (ص) للاُمّة في حديثه:

«أنا مدينة العلم و علي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب.»

وقوله: «أنّه وصيه من بعده – الى رفعه أمام اكثر من سبعين ألفاً من الحجيج في غدير خم – وقوله: من كنت مولا فهذا علي مولاه» الى كثير من الاحاديث التي أوردناها في آخر المجلد الأول من (معالم المدرستين).

و عيَّن المرجع بعد الامام علي (ع) في قوله:

«أني مخلِّف فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلُوا بعدي، وقد أنبأني اللطيف الخبير أنهما لا يفترقان حتى يردا عليَ الحوض.»

و عيَّن عددهم في حديث تعيين عدد الإثنى عشر الذين يأتون بعده ثم يكون بعدهم فناء الدنيا.

و إن معنى التمسك بأهل البيت الى جنب القرآن؛ أخذ الاسلام من القرآن و السنة بواسطة حَمَلَةِ السنة.

فكيف كان أمر نشر الكتاب و السنة بعد الرسول (ص)؟

 

كيفيَّة نشر الكتاب و السنة بعد الرسول (ص)

إتَّجه المسلمون في أمر نشر الكتاب و السنة بعد الرسول (ص) اتجاهين:

ألف) نشر كتاب الله و كتابته، و المنع من كتابة سنة الرسول (ص).

باء) نشرهما و كتابتهما معاً.

و الاول منهما هو اتجاه مدرسة الخلفاء، و الثاني هو اتجاه مدرسة أهل البيت (ع) كالآتي بيانه.

مدرسة الخلفاء

أدّى اجتهاد مدرسة الخلفاء – منذ عصر الخليفة الثاني – إلى منع كتابة حديث الرسول (ص)، و رووا عن رسول الله (ص) روايات تؤيد تلك السياسة؛ مثل ما رواه مسلم في صحيحه، و الدارمي في سننه، و أحمد في مسنده، واللفة للأول:

«إن رسول الله (ص) قال: لا تكتبوا عنّي، و من كتب عني غير القرآن فليمحه.»

وفي رواية قال: «لا تكتبوا عنّي، و من كتب عني غير القرآن فليمحه.»

وفي رواية عن الصحابي أبي هريرة؛ أن رسول الله (ص) لما رآهم يكتبون قال: «أكتاب مع كتاب الله! إمحضوا كتاب الله. أكتاب غير كتاب الله!!؟»

قال أبو هريرة: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ثم احرقناه بالنار.

هكذا حرّموا كتابة حديث الرسول (ص)، و بقى التحريم نافذاً حتى عصر الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز، حيث رفع المنع، و كتب إلى أهل المدينة: «أن انظروا حديث رسول الله (ص) فأكتبوه، فأني خفت دروس العلم و ذهاب أهله»، و كذلك إلى سائر البلاد. غير أنه لم يطل حكمه لينفد أمره؛ بل سمّته بنو اُمية بعد سنتين و نيف من تولّيه الحكم، فعاد أمر سنة الرسول (ص) إلى ما كان عليه قبل ذلك، حتى وَلِىَ أبو جعفر المنصور، ولما استتبَّ الامر له إتجه إلى سّد حاجة الامة من كتب العلم، و حرَّض العلماء علي التأليف. وفي هذا الصدد قال الذهبي في ذكره حوادث السنة الثالثة و الاربعين و مائة بعد الهجرة:

(وفي هذا العصر شرع علماء الاسلام في تدوين الحديث و الفقه و التفسير؛ فصنف إبن جريج التصانيف بمكة، و صنف سعيد بن أبي عروبة و حماد بن سلمة و غيرهما بالبصرة، و صنف الأوزاعي بالشام، و صنف مالك الموطّأ بالمدينة، و صنف إبن اسحاق المغازي، و صنف معمر باليمن، وصنف أبوحنيفة و غيره الفقه و الرأي بالكوفة، و صنف سفيان الثوري كتاب الجامع، ثم بعد يسير صنف حثيم كتبه، وصنف الليث بمصر و ابن لهيعة ثم ابن المبارك و أبو يوسف و ابن وهب. و كثر تدوين العلم و تبويبه، و دوِّنت كتب العربية و اللغة و التاريخ و أيام الناس. و قبل هذا العصر كان سائر الأئمة يتكلمون عن حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. فسهل – ولله الحمد – تناول العلم، و أخذ الحفظ يتناقص، فللّه الأمر كله). [۶]

وأشهر ما اَلّف في السنة النبوية يومذاك؛ الموطّأ، لمالك بن أنس الأصبحي المدني (ت: ۱۷۹ ھ) إمام المالكية، جمع فيه ما أنتهى اليه من أحاديث الرسول (ص)، و فتاوى الصحابة و التابعين وفق اجتهادهم، و كان ممن أخذ العلم منه؛ محمد بن إدريس الشافعي – امام المذهب الشافعي (ت: ۲۰۴ھ) -، قال الذهبي: «حفظ الموطّأ و عرضه على مالك [۷]

و أضاف الشافعي الى حمل الحديث؛ تأسيسه علم اصول الفقه، وأخذ امام الحنابلة احمد بن حنبل (ت: ۲۴۰ھ) الحديث من الشافعي [۸]، و اضاف إلى ما أخذ منه، وألّف المسند وجوّد فيه، و أصبح من أشهر علماء الحديث.

وفي مقابل مدرستي الحديث و الفقه تينكما أسس أبوحنيفه النعمان بن ثابت (ت: ۱۵۰ھ) مدرسة الرأي في علم الفقه، وابتكر للإجتهاد قواعد القياس و الإستحسان و المصالح المرسلة. و نرى أنّ أبا حنيفة – أيضاً – اقتدى بالصحابة في العمل بالإجتهاد، غير أنّه أسس له اُصوله المعروفة، و كذلك انقسمت مدرسة الخلافة في أمر استنباط الأحكام من الكتاب و السنة إلى مدرسة الحديث، و مدرسة اُصول الفقه المبتنى على الحديث، و مدرسة الرأي التي تستند إلى الرأي و السنة في استنباط الأحكام.

إذاً فقد انتهى حديث الرسول (ص) في عصر التدوين إلى المدارس الاسلامية (الفقهية منها و غير الفقهية) عبر ثلاث و ثلاثين و مائة من السنين، ينتقل فيها من فم إلى اُذن حفظاً و شفوياً، و ينقل أحياناً بالمعنى فتختلف الفاظه لدي الرواة، و ينتج الغموض و الالتباس في المعنى، وليس الامر كذلك عند أئمة أهل البيت (ع) كما يأتي بيانه:

 

السنَّة النبوية لدي مدرسة اهل البيت (ع) في القرن الاول الهجري

مرَّ بنا أنَّ الرسول (ص) أملى على ابن عمه علي (ع) ما نزل عليه من علم من ربِّه و امره فكتبه، و تقتضينا الامانة العلمية في دراسة السنة النبوية في مدرسة اهل البيت (ع) بعد ذلك أن نرجع إلى مصادر السنة لديهم، و إذا رجعنا اليها في هذا الصدد ظهر لنا ممّا ورد من الروايات في الكافي و غيره؛ أنَّ الامام علياً (ع) عندما أراد أن يسير إلى العراق استودع اُمَّ المؤمنين اُمَّ سلمة قسماً من كتب العلم، و عند ما رجع الامام الحسين (ع) من العراق إلى المدينة سلَّمته تلك الكتب.

كما ورد الخبر – أيضاً – في رواية وصية الامام عليّ (ع) حين أوصى إلى ابنه الحسن (ع)، و أشهد على وصيته الحسين و محمداً و جميع ولده و رؤساء شيعته و اهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب و السلاح و قال لابنه الحسن (ع):

«يا بني! أمرني رسول الله (ص) أن اوصيَ اليك، و أن أدفع اليك كتبي و سلاحي كما أوصي إليَّ رسول الله و دفع أليَّ كتبه و سلاحه، و أمرني أن آمرك إذا حظرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين، ثم أقبل على ابنه الحسين فقال له: و أمرك رسول الله (ص) أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثم أخذ بيد علي بن الحسين ثم قال لعلي بن الحسين: و أمرك رسول الله (ص) أن تدفعها إلى ابنك محمد بن عليّ و اقرأه من رسول الله (ص) و منّي السلام.»

و كانت تلك الكتب عند الامام الحسن (ع)، و بعد أن توفّي مسموماً صارت عند الامام الحسين (ع).

ولما توجه الامام الحسين (ع) إلى العراق دفع إلى اُمّ سلمة – زوجة النبي (ص) – الوصية و الكتب وغير ذلك وقال لها:

«إذا أتاك أكبر ولدي فادفعي إليه ما دفعت إليك.»

فلما قتل الحسين (ع)، و رجع عليُ بن الحسين (ع) إلى المدينة – عام واحد و ستين من الهجرة – دفعت إليه اُمّ سلمة كل ما أعطاها الحسين (ع).

ولمَّا حضر عليّ بن الحسين السجاد (ع) الموت عام خمسة و تسعين من الهجرة و ولده مجتمعون عنده؛ التفت إلى ابنه – محمد بن علي (ع) – قال:

«يا محمد! إحمل هذا الصندوق إلى بيتك» فحمل بين أربعة رجال ثم قال: «أما إنّه ليس فيه دينار و لا درهم، ولكنه مملوء علماً.»

ولمّا توفّي جاء إخوته يدّعون في الصندوق فقالوا: اعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال:

«و الله ما لكم فيه شيءُ… كان في الصندوق سلاح رسول الله و كتبه.»

و بهذا العمل اُعلِن عن وجود كتب العلم الموروثة عن الرسول (ص) لدي الامام محمد الباقر (ع).

و في عصره شاخت الدولة الاُموية و ضعفت، وظهرت دعوة بني العباس، فاُتيحت الفرصة للامام الباقر (ع) أن يظهر لأصحابه بعض ماورثه من كتب العلم. كما ورد في الكافي عن زرارة ما موجزه أنّه قال: سألت أبا جعفر– محمد الباقر(ع)– عن إرث الجدّ ما أجد أحداً قال فيه إلا برأيه، إلاّ أمير المؤمنين! قال:

«إذا كان غد فالقني حتى اُقرئكه في كتاب.» فأتيته من الغد فقال لابنه جعفر: «اُقرى زرارة صحيفة الفرائض» و ذهب لينام. فبقيت أنا و جعفر في البيت، فأخرج إليَّ صحيفة مثل فخذ البعير – كانت من الجلد و مطويّة – و قال: «لست اُقرئكها حتى تجعل لي عليك الله ألّا تحدِّث بما نقرأ فيها أحداً حتى آذن لك.» فقلت: لك ذلك. فألقى إليّ طرف الصحيفة فإذا فيها خلاف ما بأيدي الناس. الحديث.

يظهر أنّ ذلك التحفُظ قبل انحلال الدولة الاُموية، و بعد ضعفها اظهر الامام الباقر و الصادق (ع) بعض الكتب التي ورثاها من الامام علي (ع)، و من تلك الموارد ما رواه ابو بصير و قال: (أخرج إليَّ ابو جعفر- الامام الباقر – صحيفة فيها الحلال و الحرام، و الفرائض – أي سهام الارث – قلت: ما هذه؟ قال: «هذه إملاءُ رسول الله (ص) و خط عليّ (ع) بيده، هي الجامعة أو من الجامعة.»

وكذلك ذكرنا في الجزء الثاني من معالم المدرستين (ص۳۳۹-۳۴۲) أخبار آخرين من اصحابهما أرَياهم بعض كتب العلم التي ورثاها من الامام علي (ع).

و استقلّ بأمر كتب العلم الامام الصادق (ع) بعد وفاة ابيه الامام الباقر (ع) عام اربعة عشر بعد المائة، و اُتيحت له الفرصة في أخريات الدولة الاموية و اوائل الدولة العباسية اكثر من سائر أئمة أهل البيت (ع) للقيام بإحياء سنة الرسول (ص) من تلك الكتب. كما نشير اليه فيما يأتي من البحث.

 أولاً – إخباره بما ورثه من كتب العلم:

في الكافي و غيره روايات موجزها أن الامام الصادق (ع) قال في جواب سؤال الراوي علي بن رئاب و غيره، عن الجامعة: «إنّها صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج. أملاهُ رسول الله (ص) من فلق فيه، و خطّه عليّ بيمينه، فيها كل حلال و حرام وكل شيء، يحتاج حتى أرش الخدش. و مدّ يده إلى الراوي و قال له: تأذن؟ قال: جعلت فداك! إنّما أنا لك، فاصنع ما شئت. فغمزه بيده كالمغضب و قال: حتى أرش هذه.»

وفي رواية ذكر إبن شبرمة (ت: ۱۱۴ھ) في فتياه و قال:

«ضل علم إبن شبرمة عند الجامعة إملاء رسول الله (ص) و خط عليّ بيده. إن الجامعة لم تدع لأحد كلاماً. فيها علم الحلال و الحرام. إنّ اصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا إلى بعداً إن دين الله لا يصاب بالقياس.»

و كان إبن شبرمة قاضياً لابي جعفر المنصور على سواد الكوفة.

و في رواية: كان عنده ستون رجلاً من اصحابه فأخبره أحدهم باستهانة بعض بني عمومته – بني الحسن – بما ورثوه من كتب الامام علي (ع)، و أنّه قال: ليس ما ورثوه اكثر من إهاب. فقال الامام الصادق (ع):

«لا و الله! إنّهُما لإهابان عليهما اصوافهما، في أحدهما مدحوس كتباً، و في الآخر سلاح رسول الله (ص).»

 ثانياً – رجوع الامام الصادق (ع) اليهما:

في الكافي و غيره، عن أبي بصير؛ كنت عند أبي عبدالله (ع) فدعا بالجامعة فنظر فيها فإذا فيها:

«إمرأة ماتت و تركت زوجها لا وارث لها غيره: المال له كلّه.»

و عن الراوي إبن بكير قال: سأل زرارة أبا عبدالله (ع) عن الصلاة في وبر الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاءُ رسول الله (ص) فإذا فيه:

«إن الصلاة في وبر كل شيء، حرام اكله فالصلاة في وبره و شعره وجلده و بوله وروثه كل شيء منه فأسدة لا تقبل لك الصلاة حتى يصلي في غيره مما احل الله أكله.» ثم قال: «يا زرارة ! هذا عن رسول الله فأحفظه…»

و عن الراوي معتّب قال: أخرج الينا ابو عبدالله صحيفة عتيقة من صحف عليّ فإذا فيها ما نقول إذا جلسنا نتشهد.

و عن الراوي محمد بن مسلم قال: نشر أبو عبدالله – الصادق (ع) – صحيفة الفرائض، فأول ما تلقاني فيها: إبن أخ وجد: المال بينهما نصفان. قلت: جعلت فداك ! إنّ القضاة عندنا لا يقضون لإبن الأخ مع الجد بشيء. فقال:

“إنّ هذا الكتاب خط علي و إملاهُ رسول الله (ص)”.

كانت تلكم أمثلة من موارد كثيرة قرأ الامام الصادق (ع) الحكم منها من كتاب علي أو الجامعة، و أحياناً كان ينقل عن كتاب علي (ع).

 ثالثاً – نقل الامام الصادق (ع) عن كتاب علي (ع) أو الجامعة:

أوردنا في كتاب (معالم المدرستين) عشرات الأمثلة التي نقل فيها الامام الصادق (ع) الحكم عن كتاب علي (ع) مثل قوله:

«إنّ في كتاب علي؛ أن الهرّ سبع فلا بأس بسؤره».

و إحياناً كان يسند ما ينقله عن كتب علي (ع) إلى رسول الله (ص) و يقول: “قال رسول الله (ص) و أحياناً كان يُسأل عن مسألة فيجب دون أنّ يسند الجواب إلى كتاب علي (ع) أو الى الرسول (ص)، و في كل ذلك كان يروي عن رسول الله (ص)، و لايفتي باجتهاده و رأيه، كما صرح بذلك في الموارد الآتية:

في الكافي: سأل رجل أبا عبدالله – الامام جعفرالصادق (ع) – عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا و كذا ما يكون القول فيها؟ فقال له:

«مه! ما أجبتك فيه من شيءٍ فهوعن رسول الله، لسنا من (أرأيت) في شيءٍ».

وفي لفظ آخر: «لسنا نقول برأينا من شيءٍ».

وفي رواية ثانية قال:

«إنّا لو كنا نُفتي الناس برأينا و هوانا لكُنّا من الهالكين، ولكنّها آثار من رسول الله اٌصول علم نتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز الناس ذهبهم و فضتهم».

و في رواية ثالثة قال:

«والله! ما نقول بأهوائنا، ولا نقول برأينا، ولا نقول إلى ما قال ربنا، اٌصول عندنا نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم».

وفي رواية رابعة قال:

«… بينة من ربِّنا بيَّنها لنبيه (ص)، فبيَّنها نبيه لنا. فلولا ذلك كنا كهؤلاء الناس».

و اتخذ الامام الصادق (ع) في اول الخلافة العباسية – و على عهد أول خلفائهم السفاح – الحيرة [۹] سكناً له.

روى ابوجعفر محمد بن معروف الهلالي و قال:

«مضيت الى الحيرة الى ابي عبدالله جعفر بن محمد (ع) وقت السفاح، فوجدته قد تداكّ الناس عليه ثلاثة أيام متواليات، فما كان لي فيه حيلة، ولا قدرت عليه من كثرة الناس، و تكاثفهم عليه. فلما كان في اليوم الرابع رآني – و قد خفّ الناس عنه – فأدناني، و مضى الى قبر أمير المؤمنين (ع) فتبعته… الحديث». [۱۰]

وكذلك اتخذ من مسجد الكوفه معهداً لتدريس سنة الرسول (ص)، و كان يكتض فيه حملة الحديث لأخذ الحديث منه، بلإضافة إلى من كان يأخذ منه الحديث من الحجيج في المدينة و مكة و منى أيام الحج.

قال حسن بن علي الوشّا الكوفي من مشايخ رواة الحديث:

ادركت في هذا المسجد – مسجد الكوفة – تسع مائة شيخ، كل يقول: حدثني جعفر بن محمد [۱۱].

و لا يعني قوله هذا حصر الرواة عن الامام الصادق (ع) في مسجد الكوفة بهذا العدد، بل يعني أن الوشّا اخذ من هذا العدد ممن رووا عن الامام الصادق (ع)، و قد ألَّف ابن عقدة (ت: ۳۳۳ھ) كتاب «أسماء الرجال الذّين رووا عن الامام الصادق (ع)» ترجم فيه لأربعة ألاف شيخ أخذ منه الحديث عن الامام الصادق (ع)، و أورد في ترجمة كل واحد منهم رواية واحدة مما اخذ منه [۱۲]، و إبن عقدة – ايضاً – لم يقصد حصر من روى عن الامام الصادق (ع) بهذا العدد، و لا حصر ما أخذ من كل منهم برواية واحدة؛ و انما ترجم في هذا الكتاب لشيوخه الذين أخذ منهم الحديث عن الامام الصادق (ع)،و أورد في ترجمة كل منهم رواية واحدة مما اخذ بواسطته. و يؤيد ذلك قول الخزرجي (ت: ۶۰۰ھ) الرجالي الكبير بمدرسة الخلفاء في كتابه تذهيب الكمال في ترجمة الامام الصادق (ع): (روى عنه خلق لا يحصون) [۱۳] ولكثرة ما روى العلماء من الحديث في الفقه الاسلامي عن الامام الصادق (ع) سمّى بعض العلماء؛ الفقه بمدرسة أهل البيت (ع) ﺑــ(الفقه الجعفري) و اشتهر عند الناس بالمذهب الجعفري. و لست أدري كيف يصح نسبتة هذا الفقه الى الامام الصادق (ع) و هو يسنده الى جدّه الرسول (ص) بواسطة كتاب أبيه علي،وليس كفقه ابي حنيفة الذي اعتمد الرأي في استنباط بعض الاحكام و صح وصفه بالفقه الحنفي، و إنما الصحيح أن يقال: «الفقه المحمدي أو الفقه الاسلامي».

و هناك خطأ آخر شائع في اوساط بعض العلماء بأن أبا حنيفة تتلمذ عند الامام الصادق (ع).

و كيف يصح ذلك و ابوحنيفة يعتمد الرأي في استنباط احكام الاسلام، و الامام الصادق (ع) يستنكره و يقول: «لو كنّا نفتي الناس برأينا لكنّا من الهالكين»، وفي رواية: «كنّا كهؤلاء الناس» ولم يكن اجتماع ابي حنيفة بالامام الصادق (ع) للإستفادة من الامام الصادق (ع)، بل للمناظرة مع الامام الصادق (ع)، و كانت أحياناً بأمر الخليفة المنصور لإفحام الامام الصادق (ع) –على حدّ زعمهم -، فقد استقدم المنصور الامام الصادق (ع) – وهو بالحيرة – و بعث إلى ابي حنيفة و قال له:

«إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد، فهيئ له من مسائلك الشداد».

فهيّأ أربعين مسألة. قال أبو حنيفة: قدخلت عليه و جعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر مالم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت عليه فأومأ إليَّ فجلست، ثم التفت إليه فقال: «يا أباعبدالله! هذا أبو حنيفة» قال: «نعم. أعرفه» ثم التفت إلى أبي حنيفة فقال: «يا أبا حنيفة! ألقِ على أبي عبدالله من مسائلك»، فجعل يلقي عليه فيجيبه فيقول: «أنتم تقولون كذا، و أهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا»، فرُبّما تابعنا، روبّما تابعهم، ورُبّما خالفنا جميعاً… الحديث [۱۴].

 

نتيجة البحث

بلّغ الرسول (ص) القرآن كلّه لجميع من حضره، و بلّغ تفسير ما احتاجه الناس من القرآن ضمن تبليغ سنّته (ص) لجميع من حضره؛ و أملاهما على ابن عمّه عليّ فدوّنهما جميعاً، و حفظ الله القرآن في المجتمع الانساني أبد الدهر من كلّ تغيير و تبديل، وحفظ سنّة نبيه عند أهل بيته كذلك.

وبعد عصر الرسول (ص) إكتفت مدرسة الخلفاء بتدوين القرآن و منعت من تدوين سنّة الرسول (ص)، و أمر عمر بن عبدالعزيز بتدوينها غير أنه توفي قبل تنفيذ أمره، واستمرّ رواة الحديث ينقلون السنّة من فم إلي اُذن، حتى سَنَة ثلاث و أربعين بعد المائة من الهجرة، حيث دوّن العلماء جميع علوم الاسلامي بتشجيع من الخليفة أبي جعفر المنصور.

و في مدرسة أهل البيت تداول أئمة أهل البيت (ع) كتب العلم ألّتي دوّنها الامام علي (ع) من أملاء الرسول (ص)، و نقلوا عنها سُنّة الرسول (ص) للناس، وخفّ الحضر عن المسلمين في أخر عصر الامام الباقر (ع) فنشر شيئاً من سنّة الرسول (ص) على المسلمين، و ارتفع الحضر في آخر عهد الامويين، وعصر الصفّاح من العباسيين فتهافت حملة العلم و رواة الحديث على الامام الصادق (ع) و روى منه خلق لا يحصون سنّة الرسول (ص).

و من كلّ ذلك تمكن الامام الصادق (ع) من احياء السنة الرسول (ص) بعد آن تغير بعض الفاظها و تبدلّت على ألسِنَة الرواة الذين كانوا يتلّقونها شفوياً و يروونها كذلك و تبدلّ بعض احكامها تبعاً لذلك و بسبب الاعتماد على الرأي و الاجتهاد؛ اذاً فان الامام الصادق (ع) أحيى السنة النبوية و لم يؤسس مذهباً فقهياً في مقابل المذاهب الفقهية الأخرى، وكذلك كان شأن سائر ائمة اهل البيت (ع) قبل الامام الصادق (ع) و بعده في نقلهم السنّة النبوية من كتب الامام علي التي نسخها ممّا سمعه من فم رسول الله (ص) و ما اجود ما قاله الشاعر:

 

فوالِ أُناساً قولهم و حديثهم               روى جدنا عن جبرئيل عن الباري

 

و السلام عليكم ورحمة و بركاته.

سيد مرتضى العسكري

 

[۱] – في سنن النسائي ( ۱:۱۷۸) باب التنحنح في الصلاة . و الروایتان في مسند احمد ( ۱:۸۵و۱۰۷و۸۰) ، و الثانية في سنن ابن ماجة ، الحديث ( ۳۷۰۷)

[۲] – بصائر الدرجات ، تأليف محمّد بن الحسن الصفار (ت ۲۹۰ھ) ط . ايران ، عام ۱۳۸۵ھ ، ص ۱۶۷، و الشيخ الطوسي (ت۴۶۰ ھ) في أمالىه ، ط . النجف ۱۳۸۴ھ (۲:۵۶) .

[۳] – بصائر الدرجات ، تأليف محمّد بن الحسن الصفار (ت ۲۹۰ھ) ط . ايران ، عام ۱۳۸۵ھ ، ص ۱۶۷، و الشيخ الطوسي (ت۴۶۰ ھ) في أماليه ، ط . النجف ۱۳۸۴ھ (۲:۵۶) .

[۴] – بصائر الدرجات: ص ۱۹۸ .

[۵] – بصائر الدرجات: ص ۱۹۷ .

[۶] – تاريخ الاسلام، للذهبي ( ۶:۶) ، و راجع ترجمة أبي جعفر المنصور في تاريخ الخلفاء، للسيوطي .

[۷] – راجع تذکرة الحفاظ ، للذهبي ( ۱:۳۶۲) .

[۸] – راجع تذکرة الحفاظ ، للذهبي (ص: ۴۵۱)، وترجمة احمد بن حنبل في طبقات الشافعية،للسبکي ( ت: ۷۷۱ھ) رقم الترجمة ۷ (۲:۲۹ – ۳۰)

[۹] – مدينة کانة في محل ارض النجف اليوم راجع مادة ( الحيرة ) في معجم البلدان .

[۱۰] – البحار ( ۴۷:۹۳-۹۴) .

[۱۱] – ترجمة الوشّا في رجال النجاشي ( ص ۳۰-۳۱) و ترجمته – ايضاً – في الکني و الالقاب ، للقمي .

[۱۲] – ترجمة ابن عقدة في الکني و الالقاب ، و البحار ( ۴۷-۲۷) .

[۱۳] – تذهيب الکمال ، ط . الاولى ، سنة ۱۳۲۲ ھ ص ۵۴ .

[۱۴] – البحار (۴۷:۲۱۷ ) .

الوسوم

مهدی سلیمی

مسؤول روابط عمومی و رسانه مرکز مطالعات اسلامی علامه عسکری

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى