مقال المستشرق البريطاني جيمس رابسن للعلامة العسكري

جيمس رابسن

صورة: جامعة غلاسکو، حيث كان يدرس جيمس رابسن

حول الدكتور جيمس رابسن[۱]

ولد عام ۱۸۹۰ م، في انجلترا.

المؤهلات العلمية: دكتوراه في اللغة العربية والالهيات.

 

ماشغله من مناصب:

  • رئيس لجنة التحقيق في اللغة العربية بجامعة جلاسكو والامين العام‌للمستشرقين فيها.
  • أُستاذ كرسي اللغة العربية في جامعة مانشستر.
  • الممتحن الخارجي لدورة الدكتوراه في جامعات: كمبردج، ملبورن، أدمبورن، سينت اندرسون، ولندن.

مؤلفاته:

  • مقارنة الثقافة الاسلامية بالاديان الاُخرى.
  • مقدّمة في علم الحديث.
  • ترجمة مشكاة المصابيح وتحشيته.
  • مؤلفات أُخرى.

مقال المستشرق البريطاني جيمس رابسن للعلامة العسكري

السيّد مرتضى العسكري المحترم.

تسلّمت في أواسط أغسطس الماضي نسختين من مؤلفيكم «عبداللّه بن سبأ وأساطير أخرى» و «خمسون ومائة صحابي مختلق ـ القسم الاول» وكتبت لكم في حينه أنّي كبير السنّ ولا أتمتع بصحة تامة ولهذا فإنّي بحاجة إلى وقت أطول لدراسة الكتابين وقد أخذا مني وقتاً أكثر مما كنت أحسب لكني قرأتهما مرتين برغبة شديدة وأشعر الان أنّه يجب عليّ أن أكتب بشي‌ء من التفصيل لاُعبّر عن إعجابي من المنهج المتبع ودقّة التحقيق المشهود فيهما غير أنّه ينبغي لي وأنا في هذه السن ولا أثق بأن يتاح لي من العمر ما أستطيع فيه الكتابة ألاّ أتأخر عنها.

وفي الكتاب الاول أعجبت من البحث والمفصل عن منشأ أسطورة عبداللّه بن سبأ والاسطورة السبائية وكان قد تسلسل البحث القيّم عن الكتّاب القدامى والمتأخرين في الشرق والغرب والمصادر التي اعتمدوها، وكان جدول صفحة (۵۷) يساعد كثيراً على إرائة مصادر روايات سيف الرئيسة وكيف اعتمد عليها الكتّاب المتأخرون الذين يعتمد بعضهم على الاخر فيما يكتبون.

وتأتي بعدئذ قائمة أسماء جماعة من علماء آخرين ممن ذكروا آراءهم في قيمة روايات سيف بَداً من أبي داود (ت: ۲۷۵ه‍‍، وذكر في الكتاب خطأ ۳۱۶ه‍‍) إلى ابن حجر (ت: سنة ۸۵۲ه‍‍) كلّ أولئك انتقدوا سيفاً بكلمات مثل: «ضعيف» «متروك الحديث» «ليس بشي‌ء» «كذّاب» «متّهم بالزندقة» وغيرها، استعملوا هذه الكلمات في نقده واتفقوا على عدم اعتبار رواياته وحتّى على كذبها وهذا برهان بالغ الاهمية. ومع أني لاحظت أن العلماء القدامى لايتفقون في دراساتهم لرواة الحديث غير انّا وجدناهم هنا متّفقين حول سيف وهذا ما يجعل الشخص يتعجب من الكتّاب الذين جاءوا بعد سيف وأنّهم كيف رضوا لانفسهم أن يقبلوا أساطير سيف.

وأرغب هنا أن أشير إلى تأريخ الطبري الذي لا يتردّد في نقل روايات سيف أن تأريخه ليس عملاً تأريخياً في الاساليب الحديثة للكتابة، ويبدو أن غرضه الرئيسي جمع الروايات التي كانت بمتناول يده معتقداً أنه ليس من الضروري إبداء رأي ما في قيمتها، وعلى هذا فللشخص أن يرى بعض رواياته أقل اعتباراً من روايات الاخرين، ومع ذلك فلنا أن نعذره على اتباعه منهجاً غير مقبول اليوم فانه على الاقل قد جمع كمية من الاخبار، وتبقى تلك الاخبار لمحقق فطن كشخصكم ليقوم بتمييز صحيحها من سقيمها، وان دراستكم لبعض المواضيع التي ذكرها سيف تهدي بأسلوب مؤثر كثيراً إلى تقييم روايات سيف أولاً، ثمّ إلى مقارنتها لرواة آخرين تلك المقارنة الدقيقة التي استوعبت السند والمتن معاً، وكشف البحث أن سيفاً غالباً ما نقل عن رجال ـ رواة ـ مجهولين، ويبعث على التساؤل بأن غير سيف من نقلة الاخبار لماذا لم ينقلوا من أحد من أولئك المجهولين ويدل على أن سيفاً قد اختلقهم، وهذا الاتهام الجاد منطقي بمقارنة روايات سيف بروايات غيره.

أشير في الكتاب إلى معجزات ذكرت في أساطير سيف والتي يصعب تصديقها مثل: تحول رمال الصحراء إلى مياه للجيش الاسلامي ومياه البحار إلى رمال وأن الابقار أخبرتهم عن مخابئها إلى غير ذلك. وكان من السهل في عصر سيف أن ينجح في سرد أساطيره كوقائع تأريخية، ولكن من الطبيعي في هذا اليوم أن لا يقبل الباحث المحقق تلك الاساطير. وأقيم في الكتاب البرهان القاطع على أن أخبار سيف حول «ابن سبأ والسبئية» غير حقيقية تماماً.

وما أراه أن دراسات بعض المستشرقين بنيت على أخبار سيف نظير القول بأن عدداً ضخماً من الناس قتلوا في الحروب الاسلامية الاولى، وفكرة أن اليهودي المجهول ـ ابن سبأ ـ استطاع أن يندس بين صحابة النبيّ ويغويهم وأن يحرض الناس على الثورة ضد عثمان ويسبِّب قتله، ويحرض على المعركة التي شغلت عليّاً مع طلحة والزبير ـ يوم الجمل ـ فمن الجائز أن يصح بعضه وليس كله(۲) كما يظهر ذلك من الفصل المعقود بمادة (عبداللّه بن سبأ) من الطبعة الاولى والثانية من دائرة المعارف الاسلامية.

صرف سيف وقتاً طويلاً في اختلاق أبطال أُسطوريين من تميم القبيلة التي يرجع إليها أصله، لكن «السير ويليام موير» ذكر سابقاً كيف استسلمت تميم في عصر الردّة لجيوش الخليفة الاول، وجلب «السير توماس آرنولد» الانتباه إلى أن الفتوح الاولية لم تستهدف نشر العقائد الدينية بل قصدت توسعة نفوذ الحكومة الاسلامية.

في الكتاب الثاني جلب الانتباه إلى هذه الحقيقة: أن سيفاً عاش في الكوفة في الربع الاول من القرن الثاني الهجري وأنه ينتمي إلى تميم إحدى قبائل مضر وهذا يساعد الشخص لدراسة أهدافه ودليل مؤثر لفهم أساطيره، وفي الكتاب بحث حول الزنادقة والمانوية وأن العصبية القبلية كانت قائمة منذ عهد الرسول إلى العصر العباسي وقد عاش سيف في ذلك العصر.

كان سيف يمجّد القبائل الشمالية ـ قبائل مضر ـ مختلقاً أبطالاً أُسطوريين ـ منهم ـ وشعراء يمجّدون قبيلة الابطال، وصحابة للنبيّ من قبيلة تميم، وحروباً ومعاركا لم تقع، وملايين من القتلى وعدداً كبيراً من الاسرى لغرض تمجيد الابطال الاُسطوريين الذين اختلقهم، وأشعاراً خيالية نُسبت للابطال الاسطوريين الممجدين من مضر ثمّ تميم ثمّ بني عمرو فرع القبيلة التي يرجع أصله إليها، ونسب سيف قيادة الجيوش في بعض الفتوح إلى رجال من مضر بدلاً من قادة تلك الفتوح الذين كانوا من غير مضر، وكان قواده الخياليون أحياناً أناساً حقيقيين وأخرى أسماء أخرجها من مخيّلته. وبرهن البحث على أن قسماً من أخباره كان للتشويش على عقائد الكثيرين، وقسماً لاعطاء غير المسلمين فهماً خاطئاً ـ عن الاسلام ـ وكان بارعاً في مزيّفاته إلى حدّ انهم تقبَّلوها كحقائق تاريخية.

هذه خلاصة موجزة من جرائم أدانت سيفاً.

ترجم القسم الرئيسي من الكتاب ۲۳ رجلاً ـ صحابياً مختلقاً ـ بالتفصيل معطياً أمثلة من أساطير سيف، ومبيِّناً كيف يخالف سيف المصادر الاصلية لا في المتن فحسب بل وفي السند أيضاً وذلك بإيراده أسماء أناس غير موجودين ـ كرواة لرواياته ـ. صنع الكتاب بتفصيل فائق مقدماً برهاناً قاطعاً ضد ما كان يعوّل عليه من أساطير سيف رغم أن مشاهير المؤرخين أوردوا أخبار سيف في كتبهم، ودرس في الكتاب كتابي سيف ـ «الفتوح» و «الجمل» ـ بالتفصيل وأظهر البحث أنّهما كبقية الاساطير غير موثوقين وان من جاء بعد سيف اقتبس منهما.

هذه دراسة عميقة جدّاً مع قدرة فائقة على الملاحظة والنقد. أنا شاكر جدّاً لامتلاكي الفرصة لصرف الوقت الكثير على دراسة البراهين التي أعجبتني وأقنعتني تماماً وأنا متأكد من أنَّ كلَّ من يدرس هذين الكتابين بذهنية متفتحة سوف يُقدّر بطيب نفس قوة البراهين حقّ قدرها.

مع جزيل الشكر لارسالكم لي الكتابين، وابداء عذري على حساب سني وأعراض أخرى أدّت إلى تأخير الجواب.

مخلصكم

جيمس رابسن

۱ /۷ / ۱۹۷۴ م

[۱]. نقلا عن كتاب Who is who

Related Post

شفاعة

اذا سمحوا لي

الراوي: الشيخ علي سليمي (ابن اخت العلامة العسكري)   في بعض الاحيان عندما كان يذهب العلامة الى الحمام و كان أبناؤه يستأذنوه لكي يساعدوه في

More »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *